تحتضن أكبر موسم للتبوريدة والصقر في المغرب
على بعد عشر كيلومترات جنوب مدينة الجديدة، تترأى للزائر أطلال ورسوم، لا زالت صامدة في وجه عوامل التعرية الطبيعية والبشرية، شاهدة في نفس الوقت، على حالة التردي التي طالت التراث المعماري، أطلال ورسوم، تشير إلى بقايا مدينة، كانت في يوم من الأيام عامرة بأهلها وسكانها، تطل على المحيط الأطلسي، تحرس البيد المجاورة، والبراري الفسيحة..
إنها مدينة تيط البائدة، أو رباط ومدينة مولاي عبد الله أمغار المتحدر من الجزيرة العربية. بين الأمس واليوم، حدثت أمور كثيرة، جعلت مدينة تيط، تكاد تكون مجهولة لدى العديد من الدارسين والمحققين الباحثين…
تيط قديما
لا يعرف للمدينة تاريخ مضبوط، وهو ما جعل الآراء تتضارب حول تاريخ إنشاءها وزمن تأسيسها، فمنهم من يرجع تسميتها إلى طوت حفيد نوح عليه السلام الذي استقدم إلى موريتانيا الشعوب المسماة بالطيطيين، ويرى البعض الآخر أن مؤسسها هو حانون الذي كان القرطاجيون، بعثوه على رأس ستين سفينة من ذوات الخمسين مجدافا بقصد احتلال المدن الليبية الفينيقية، بينما يؤكد ابن فضل الله العمري في مسالك الأبصار، على “أن تيط، كانت تعتبر إحدى كبريات مدن المغرب التي حصر عددها في اثنتين وأربعين مدينة”. (تاريخ مدينة تيط، محمد الشياظمي الحاجي السباعي).
وقال الحسن الوزان، “إن من بناها هم الأفارقة الأقدمون، وأنها كانت في القديم كثيرة العمارة ذات خصب وافر. ولما احتل البرتغاليون مدينة آزمور سنة 1913، سقطت في أيديهم وأدى أهلها الجزية للبرتغال. ولما ذهب مولاي الناصر، أخو السلطان الوطاسي، إلى تلك الناحية لإنقاذ المسلمين من قيد النصارى، قبض الجبايا على يد أمين بيت المال البرتغالي ويهودي أعانه على ذلك، فحمل أهل هذه الناحية إلى قرية تقرب من فاس، أرضها صحراء تبعد عنها بنحو ثلاثة فراسخ ومنذ ذلك الحين لم يعد لها عمرانها”.
وقال أبو القاسم الزياني: “أسسها أمراء صنهاجة لما استقر البربر بالمغرب، ونزلها شرفاء بني أمغار من الأدارسة، وبهم اشتهرت وقصدت من الأفاق، وكثر عمرانها وصارت معقل العلم والدين وسراج الهدى للمهتدين وظلت موردا معينا لأهل العلم والدين طيلة أربعة قرون فأزيد”. (آسفي وما إليه، محمد بن احمد العبدي الكانوني)…
أما مارمول فيقول: “إنها مدينة قديمة تلوح الآن أنقاضها على شاطئ البحر على بعد أربعة فراسخ من ويمازيغن )البريجة( في اتجاه الغرب ويرجع تأسيسها على ما يقال إلى سكان إفريقيا الأولين، وكانت آهلة بالسكان في القديم لأن الضواحي المجاورة لها خصبة جدا”. (نفس المصدر السالف)…
ومعلوم أن لفظة تيطنفطر هي لفظة بربرية تعني العين الجارية وتعني أيضا عين الفطر، ومعناها أيضا الطعام وتذهب القراءات مذاهب عديدة، لعل أقربها إلى الصواب، ما يفيد أن عينا كانت توجد هناك، كان الشيخ إسماعيل بن سعيد أول من نزل بها هو وأخواه عند قدومهما من الحجاز بناء على رؤيا طلبت منهم التوجه إلى المغرب ليُنتفع بعلمهم وأدبهم، وكان الشيخ يتوضأ ويشرب منها…
ظلت مدينة تيط مدينة عامرة بسكانها، الذين كانوا يعتمدون في عيشهم على الفلاحة والزراعة والصيد والتجارة، حيث كانوا يقومون بالاتجار في مادة الملح والصوف وكانوا يعتمدون أيضا على الحبوب والعنب والصيد البري لأن البراري المجاورة لتيط كانت عبارة عن غابة تصل إلى نواحي الجرف الأصفر، ظلت مدينة تيط حاضرة قوية إلى أن أتاها الخراب والدمار كما سلف. وكان لمدينة تيط أربعة أبواب متوسطة الحجم منها بابان تحيط بهما الأبراج وهما في حالة جيدة ومصنوعان صنعا متقنا، كانا يشكلان البابين الرئيسيين وباب البحر وباب آسفي أو ما يسمى بباب الجديدة والباب القبلي، وإلى جانب الأبواب كان هناك سور عظيم يحيط بالمدينة ويحفظها من الهجمات البرية والبحرية وهو سور لا زال بعضه قائما لحد الآن، أما الأبراج، فإنها تعرضت للتلاشي، خاصة برج البحر الذي لم يبق منه إلا رسمه..
تيط حديثا
لم يبق من مدينة تيط إلا بعضا من الآثار التي تتساقط أحجارها يوما عن يوم، فمدينة تيط تندب حظها العاثر اليوم، وهي التي تعد مكانا من أهم الأمكنة بإقليم الجديدة وأغنى جماعة في الإقليم، أصبحت تعرف بمولاي عبد الله دفينها وراعيها في زمن القحط وزمن اللغط السياسي، يقول الكانوني عن مولاي عبد الله: “هو أبو عبد الله محمد بن أبي جعفر إسحاق بن أبي الفدا إسماعيل بن محمد بن أبي بكر بن الحسين بن عبد الله بن إبراهيم بن يحيى بن موسى بن عبد الكريم بن مسعود بن صالح بن عبد الله بن عبد الرحمان بن محمد بن أبي بكر بن تميم بن ياسر بن عمر بن أبي القاسم بن عبد الله بن مولانا إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن المثني بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء رضي الله عنهم، ولد بقصبة أيير (التابعة حاليا لإقليم آسفي)، حيث كان والده يتعاطى التدريس، فاعتنى بتربيته هو وأخوه جعفر، فنشأ الولدان نشأة صلاح، وقد اشتهر مولاي عبد الله بغزارة علمه وسعة اطلاعه وكانت تتوافد عليه الوفود برباط تيط من كل حدب وصوب لاستشارته والتزود بنصائحه وأغلب الأولياء والصالحين بساحل دكالة من تلامذته أو تلامذة أولاده وحفدته”..
وتشتهر مدينة مولاي عبد الله الآن، بموسمها العظيم، الذي لا يضاهيه أي موسم في المغرب ولا خارجه، يشتهر بالتظاهرات الدينية والثقافية وحتى التجارية، حيث تغطي خيامه حوالي أربع كيلومترات مربعة ويناهز عددها 30 ألف خيمة. يشتهر موسم مولاي عبد الله بالتبوريدة والفانتازيا، التي يقدر عدد الفرسان بها ب2000 فرس وفارس و115 سربة، كما يجلب القواسم أصحاب الطير الحر / الباز أو الصقر اهتمام الزوار والسياح…
ومن المآثر التي تتعرض للاندثار يوما عن يوم الصومعة القديمة أو كما يسميها أهل مولاي عبد الله، الصومعة “لمكرجة” حيث سميت بهذا الاسم لأنها فقدت الإفريز الذي كان يزين عاليتها، وقد بنيت من الحجر الصغير المنحوت وهي من الصوامع القليلة بالمغرب الأقصى، التي اعتمد في بنائها، على هذه الطريقة، التي تنتسب إلى التقاليد المعمارية القرطبية وكان يوجد بداخلها حادور دائري، يعد بمثابة درج، يساعد على الوصول إلى أعلاها، وهو مصنوع من الأحجار العريضة المثبتة على جدوع أشجار الصنوبر، مثبتة بدورها في الجدران، وهكذا يقول صاحب كتاب مدينة تيط، نجد في كل من الواجهة الشمالية الغربية والواجهة الجنوبية الشرقية فرجة )كوة( مزدوجة كاملة العقد يعلوها قوسان لكل واحد منهما فصوص وإطار مستطيل، كما نجد في الواجهتين المقابلتين، فرجة واحدة على شكل هلال منكسر يحيط به إطار ذو شكل مستطيل جد مشرع…
تعيش هذه الصومعة الآن إهمالا ولامبالاة الجهات المفترض فيها العمل على صيانتها، أي وزارة الثقافة ووزارة السياحة والجماعة القروية التي تحيى على صيتها وتاريخها.
التبوريدة
“الخيل معقود في نواصيها الخير” ويقولون أيضا، “العود يدعو لمولاه بالخير”، هذا ما يدفع الزوار يقبلون على موسم مولاي عبد الله امغار، للاستمتاع والتمتع بفن ولوحات التبوريدة التي تبقى من أهم أنواع الفرجة المبرمجة به. ولتقريب الفرجة من الزوار والمواطنين والرواد، حرصت اللجنة المنظمة بتنسيق مع المجلس الجماعي لمولاي عبد الله على إدخال مجموعة من التحسينات والتغييرات على حلبة التبوريدة، إذ سهرت على إحداث محرك ثاني لتخفيف العبء على الأول.
وصرح مولاي المهدي الفاطمي رئيس المجلس الجماعي لمولاي عبد الله، خلال الندوة الصحفية التي سبقت انطلاق فعاليات موسم مولاي عبد الله، أن اللجنة والجماعة خصصتا المحرك الثاني بنفس المواصفات التي توجد في الأول، بل إن الفرجة في المحرك الثاني مضمونة وأفضل من الأول.
وصرح الرئيس ذاته، أن المنظمين يحرصون على تقديم الجديد كل سنة لزوار موسم مولاي عبد الله، إذ لا يدخرون أي جهد في سبيل إرضائهم، مقرا في الوقت ذاته، أن الحمل صعب، لأن الموسم من أكبر المواسم وأنه يستقطب أعداد كبيرة من الزوار من داخل وخارج المغرب، معترفا أيضا بأن “الموسم هو هذا” بإيجابياته وسلبياته.
الطائر الحر
لا يمكن تصور موسم مولاي عبد الله أمغار بدون صقارة، صقارة القواسم بأولاد فرج، الذين داوموا على ارتياده والذين يعتبرون أحد أعمدته الراسخة من خلال الأنشطة التي يقدمونها داخل المحرك. وظل الشرفاء القواسم منذ سنوات يترددون على الموسم لارتباطهم الوثيق به. يؤكد محمد الغزواني رئيس جمعية الصقارين القواسم بأولاد فرج، أن الشرفاء القواسم، يشكلون إحدى آخر معاقل الصقارة في المغرب، مشيرا إلى أنهم اعتادوا على زيارة موسم مولاي عبد الله أمغار ولا يمكن لأي بياز أو صقار الغياب عنه.
وأضاف الغزواني، أن قبيلة القواسم المعروفة باعتمادها على الصيد بالصقور، تحتل مكانة متميزة في هذه التظاهرة الثقافية، وتقدم للزوار والمواطنين عامة برنامجا غنيا ومتنوعا بمناسبة مشاركتها في موسم مولاي عبد الله أمغار.

ويبرز الشرفاء القواسم جانبا مشرقا من عادات وتقاليد أولاد افرج، إذ تظل خيمة القواسم مفتوحة للزوار، يدعونهم لزيارتها والتبرك منها وتناول ما تيسر من الطعام وشرب الشاي، كما تسهر جمعية الصقارة على إبراز المظاهر الأخرى لهذا التراث، وخاصة المعرفة في مجال آلات الصيد، والملابس التقليدية، والموسيقى، والغناء، والرقص، وفن الطبخ، وغيرها.
ويعتبر موسم مولاي عبد الله أمغار بالنسبة للقواسم، فرصة ومناسبة سنوية لتجديد اللقاء مع محبيهم وعشاق الطائر الحر، الذي يتم الاحتفال به منذ مئات السنين، كما يعتبرونه أحد التظاهرات الدينية والثقافية الأكثر جاذبية وثراء في المملكة.
أنشطة فنية متنوعة
ومعلوم أن موسم مولاي عبد الله أمغار، تم تسجيله سنة 2022 تراثا لا ماديا مغربيا خالصا من طرف منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة “الإيسيسكو”، كواحد من أهم التظاهرات الثقافية والدينية في المملكة، إن لم تكن أهمها على الإطلاق.
وتهتم اللجنة المنظمة ببرمجة أنشطة دينية بضريح الولي الصالح والمسجد التابع له وأنشطة فكرية وثقافية وترفيهية بمختلف فضاءات الموسم، فالنهار يخصص لألعاب الفروسية والصيد بالصقور. وتخصص في الفترة الليلية أنشطة فنية من خلال برمجة حفلات فنية شعبية وتراث الحلقة بالمحرك. وحرصت اللجنة المنظمة منذ عدة دورات على استدعاء أهم الفنانين الموجودين على الساحة الوطنية وحتى العربية.

وأكد نجيب غيتومي خلال الندوة ذاتها، أنه تعاقد مع أهم ما يوجد من الفنانين المغاربة، وأنه كعادة الجهة المنظمة، برمجت سهرتين كبيرتين، يستضيف خلالها الفنانين الشعبيين عبد العزيز الستاتي وسعيد ولد الحوات، كما لم تغفل اللجنة المنظمة تخصيص حيز مهم للمجموعات الفنية المحلية.




حملة للتبرع بالدم بإقليم الجديدة
لقاء فيدرالية جمعيات الأحياء مع المدير الإقليمي للشركة الجهوية متعددة الخدمات
ولي العهد الأمير مولاي الحسن يفتتح الدورة 16 لمعرض الفرس بالجديدة
كشافة المغرب بالجديدة تنظم النسخة الخامسة لليلة المحمدية