أخر تحديث : الإثنين 3 يناير 2022 - 8:02 صباحًا

الشريف مولاي المصطفى وسيدي الضاوي

بتاريخ 3 يناير, 2022
الشريف مولاي المصطفى وسيدي الضاوي

بعد حلقة صادفتها عيني على اليوتوب، فاجأتني بذكرى عظيمة في حياتي، حيث شاهدت ضريح سيدي الضاوي. وما أدراك ما هذا الضريح الذي خلد في الجديدين حكايات لكل واحد من جيلنا له حقه مما
يخفيه وما يعلنه من ماض حافل بالمغامرات من شريج البقر إلى المون. وفي نفس الوقت، أحزنتني الزبالة والوساخة التي تحيط بالضريح ذاته.
لا يخفى على أبناء البلد هذا الولي، وما يؤكد ذلك هو الشريف مولاي
مصطفى.
لن أدخل في التفاصيل كلها، ما قبل تاريخ هذا الرجل الذي لم يأخذ حقه في
هذا البلد، وفي الحقيقة أن ِسضاوي (هكذا كنا ننطق اسمه) لم يكن الكثير حتى من أهل المنطقة، يعرف من هو؟ ومن كان هذا الولي؟
إلا أن بعض القدماء من أهل الثرثرة، يزعمون بما سمعوا من خرفات ينتقد
بعضهم بعضاً، حيث تختلف عنا الحقيقة، وتغيب عنا المفاهيم كلها عن هذا
الولي.
المهم في هذه القصة التي دفعتني غيْرتي أن أدلي بحقيقة الشريف مولاي
المصطفى، هو ما لم يذكر عنه بصراحة في هذا البرنامج.
لا يمكن أن نتكلم عن قصة الشريف باختصار، إنما هي نبذة فقط، والقصة
الكاملة هي في ديوان يحكي عنه كل صغيرة وكبيرة، لأنه ليس شخصا عاديا بل هو مجموعة حكايات تاريخية، في عهدٍ لم تكن فيه معاهد موسيقية، ولا جمعيات فكرية ثقافية، ولا أندية للتمثيل، إلا دار الشباب، بجهد بسيط ضعيف جداً، حيث لا يتماشى مع الوقت آنذاك!
أتمنى أن لا يطول الوقت لإخراج هذه القصة الكاملة لمولاي المصطفى، الملقب ب”أبو مروان مولاي المصطفى”. أو الشريف بصفة عامة، أو ولد لحفيظة
بصفة خاصة.
أول مرة أدخل هذه القبة بهذا الضريح، كانت مع صديقي العزيز رحمه الله
برشيد (الموهبة الطلقاء) لن أدخل في قصصه الآن.
كنت أتعلم منه العزف على الناي، ونحن في أواخر الطفولة، وبعد فترة دار
الشباب بالحركة الشعبية في مركز الخطيب، بدرب الكباص حيث هناك تعرفت على أول مجموعة موسيقية كان يرأسها المرحوم ولد عباس،
وهكذا كنا نطلب علم الفن من أي باب نجده مفتوحا أمامنا، وما كان بالبلاد إلا قليلا.
مع (بْحَيْبيحَة) هكذا أطلق عليه هذا الاسم، عرفني على مجموعة بادريس
رحمه الله، ثم فرقة الأستاذ العازف البارع في أيامه احميدو البستاني، وأخيراً وصلنا إلى الجامعة الفكرية والثقافية والتعليمية على الفطرة من الأساتذة
المرموقين وكبار المفكرين من كل مكان من المغرب، بالقبة التي كانت تأوي كل من هب ودب من جميع الفئات، مهرجين ونكاتين، رسامين ونحاتين،
وكانت خزانة الحائط تحتفظ بكتب شعرية وأدبية ودينية وقصص من تاريخ
الإسلام، لا يصل لهذه المكتبة الكثير من العازفين لأنهم لا يفهمون إلا الصور على الغلاف، وكانت نزهة لمن يتقن القراءة طبعاً.
القبة هذه عبارة عن طول عشرة أمتار وعرض أربعة، تطل مباشرة على
البحر الذي يرسم في ذهنك طبعة خيالية لا تنسيك الأيام بها ولو كنت باليابان
والحجة أني زرت العالم شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً، ولم أرى لذاك المكان
مثيلا، ولا رائحة ذاك النسيم الذي كان يغرينا صيفاً وشتاء بنفس عميق
يربطنا بمحبة هذا الشريف وبهذه الطبيعة المفقودة إلى يومنا هذا.
الموسيقى ورنين البحر من الصباح حتى المساء، وفي معظم الوقت تبدأ
بالحديث عن كل شيء وفي كل شيء، ولا شيء، ولا تدري متى يبدأ العزف جماعة ويطول حتى الصباح، المرحوم” ُبطافي” والمرحوم” ْبحيبيحة”
وكأنهما يعيشان باستمرار هناك، كانت تشدهم الآلات الموسيقية بعين
المكان، لم نكن نتوفر على التمكن بشرائها، وأنا معهم أتقاسم حصة العود،
لم يكن يعلمنا أستاذ متخصص في علم الدروس الموسيقية، إلا أننا بجهد
مكثف وبصعوبة نلتقط من برشيد المعجزة، بفطرته وموهبته يخلق لنا بطرق سهلة كيف الحصول على النقط الصحيحة، ولم يعجز عنا مهما صعوبة
الموقف، لا آلة نمتلكها ولا مكان نلجأ إليه سوى القبة الغالية في ذهننا
والشريف مولاي المصطفى.
تعلمنا من هنا ومن هناك، ولكن لم نكن نعرف التعليم إلا بإشارات صوتية أو رنات نتبعها.
حتى توصل بنا القدر إلى هذه القبة والأستاذ مولاي الشريف الذي علمنا ما معنى المقامات بأغاني الموشحات، وحفّظنا معه معظم
أسمائها وطريقة العزف بها!
لم يبخل أبداً على أي منا مهما كانت قدرته، لا يفرق بين متعلم وأمي، يجمع
ذاك على هذا في جلسة واحدة، كانت وقت الأكل أو المحاضرات التي كان
ثَمَنها المحبة وبراءة هذا الشيخ المربي بِالسماحة والإخاء الشريف مولاي
المصطفى.
حتى في فصل الشتاء لما تفرغ المدينة من خطوات المارة بعد صلاة العشاء،
ويخيم السكون المقْرف على الدروب والحارات، لا أحس برجلي إلا وهي
واقفة تحت شباك القبة أتحسس هل هناك روح في هذا المكان الذي لا تخلو
منه الحياة.
الليل ِبسيضاوي، عبارة عن متحف مسحور، تنيره ضياء القمر المفتون
بجمال ذاك المنظر المبهر المبهور، على زرقة لا يعرفها إلا المحظوظون.
في ليلة واضحة شعشعت فيها أمواج البحر بنور وكأنها خطوط من الياقوت والزمرد المنشرح فوق خفايا من زرقة الألماس المحجوب، لا يراه إلا من
أتاح له القدر والحظ المفقود، ولَطَمَتْ نسمة السحر وجه ذاك الإحساس
المشحون، وأتاحت له تلك اللحظة الغامضة التي لا يلقاها إلا ذو حظ عجيب
من بين ملايين المعجبين.
أتكلم عن إحساس سري لا يتذوقه إلا المحبون لهذا البلد الذي يسكن في
الأحشاء كلها، وبين الجلد واللحم والخلايا، التي لازالت تنعشني وتحييني إلى اليوم، والسحر الملائكي الذي كان يغمر المكان في الليالي الطوال لا تسمع فيها إلا رنين عود الشريف الذي كان ينطق بألغاز لا يعلمها ولا يفهمها إلا
صافي القلب المندس في هم طبيعة التصوف الحقيقي الذي كان يمتاز به ذاك الشريف.
في ليلة من ذاك الماضي القاسي الذي أكنه في نفسي وصعوبة الفترة
الضائعة من العمر، فترة الستينات، ولم أجد لمن أحكي أو أبكي هما أصابني، وقادني خوفي على نفسي إلى سيضاوي.
كان الجو ربيعا والبحر حزين مثل قلبي، والنسمة هادئة تطمئن سمعي بنبرات عود الشريف الذييأتي من وراء حائط الضريح، يسلبني بنغمة لا يقدر عليها إلا من كانت له مقدرة في العزف الصوفي، الذي يشفي آلام النفس، كانت كلاما لمن يفك الألغاز، أم نغماً لمن يفهم خبايا الأوتار.
أرسلت نظرة من ورائه حتى لا يراني، ساعدتني الظلمة في تربعي على
الأرض أبعدُ عنه شبرين فقط، لا يبالي بي وكأنه في عالم آخر، غير هذا
المكان.
أكثر من نصف ساعة، تقاسيم تنطق بحلاوة النغم الفلسفي الذي يهدئ
أعصاب أمراض الهوى والحب، والانهيار الذاتي واللوعة والوصول إلى
منتهى حلاوة العذاب.
توقف فجأة وصار يغني بصوت خفيت جداً، مررت بالبحر؟؟؟؟
أسمع الأغنية للمرة الأولى، ارتبطت بمنظر البحر والنسمة الأمينة التي
تعرفني، وكأن الجو كله يطمئنني بشفاء من حب سقيم ألما بي.
طرحَ عودهُ بين يديه وتنهد بعمقٍ وكأنه أخرج سقمي من قلبي،
الله! بصوت عالي
اهتز الشريف مفجوعاً
أنت هنا؟؟؟؟
أكثر من ساعة أجبت،
تنهيدة وتطلع إلى البرج البرتغالي وانقطع عن الكلام، أنتظر وأنتظر، وبعد
دقائق، ما هنالك يا شريف؟ سألته!
كنت أستمع إلى بكاء الأبرياء والأرامل والأطفال.
أين ؟؟؟
هناك من وراء هذا البرج!
هذا البرج يزيد المكان جمالا ورونقا
قلت له.
أي جمال وأي رونق تتكلم عنه!!!
أتعلم كم من الضحايا من أجدادنا وآبائنا قتلوا بسببه، وسكت.
لم أتفوه بكلمة واحدة.
فاستمر يحدثني، عن تاريخ لم أعرف عنهشيئا في تلك الفترة إلا منه، كنا
نجهل حقيقة ذاك التصور المفجع، ولم نأخذ أي حصة عنه، لا في المدارس، ولا من أهل البلد، سوى لقطات مغلوطة لا أهمية لها، إلا هذه اللحظة بالذات.
معلومات درستها بعد وقت طويل وأنا بفرنسا، فلولا هذا الشريف ما كنت
تطرقت لها، ولا لماض بعيد أحببت فيه التاريخ والأدب العربي، وكانت
البدايات من هذا المكان، بعد أن ترسخ في ذهني جهاد ذاك المقاوم الذي لم
يأخذ نصيبه إلا بطلقتين من رصاص المحتل الفرنسي.
هي نبذة فقط من كتابي، (الصوفي الخفي)، لأني أعتبره صوفيا خفياً، لم يأخذ حقه من أي شيء في هذه الدنيا مع أنه كان في كل مكان حاضرا. لا يشتغل
لنفسه فحسب، بل مساعداً لكل محتاج، كان في المغرب أم بفرنسا.
وحيت ما كان الشريف كان الإقبال يصاحبه في كل مكان، فلو أراد لكان له ما لا يدخره أي من أهل عصر آنذاك، لكنه كان يفضل العيش في تلك الغرفة
يتقشف لنفسه، ويطعم من طعامه الشخصي الذي هو عشائه، لا يأخذ منه إلا لقمة البداية حتى يسهّل للآخرين على الإتمام، أما الشاي فكانت صينية وراء
الأخرى طوال اليوم، وفي إشارة بقدميه التي يطرق بها على أرض الغرفة،
تتجدد السواني. كان من بعض المقربين من واجهات البلد يدفعونه لطلب حقه في المقاومة، ويأبى، ليقول لهم في وجوههم، خذوا ما شئتم من الدنيا، أما
أنا أخذت النصيب الأكبر، رصاصتين في رجلي معي تعيشان في قبري إلىيوم الدين.
من أجمل المناظر التي ضاعت من أصحاب الطبيعة الخلابة التي لم يعاصرها الكثير من أصحاب الشريف، هي الليالي التي أضافتها تلك الحجرة الكبيرة
وسط القبة، حجرة تزن أكثر من عشرة كيلوغرامات، وزادها جمال من كثرة الشموع فوقها تتلألأ بنور يسر الناضرين. إلا أنا، كنت أتساءل في صمتي
لمن بكاؤها ودموعها التي تسيل ببطء الزمان. وكأن تلك الدموع المتحجرة
فوقها، تخبرني أن اللمة وشيكة على نهايتها إلى الأبد.
منظر يشفي قلب كل حساس عميق المشاعر، وأنا واحدا منهم، أعيش وقتها بتأمل حائر لم يتجه إلى أي مكان، لا الماضي ولا الحاضر في وقتي هناك،
أتخيل ذاك الشعاع المضيئ، الذي يرسم تلك الوجوه الغائبة عنا اليوم،
وتقذف عيني بدمعة ولا أحلى منها، فيها طعم الأحبة وجلساتهم الشيقة، رنين عود الشريف يحكي، ولا يفهمه إلا أنا مرة أخرى، فلا أبخل عن كتابة الفترة بأسماء كل من عاشرنا فيها، مازلت أشم رائحة النعناع والشاي، والنسمة
الآتية من هواء البحر، والقمر الذي كان يسرق أخبار القعدة ودندنة العود
النقية الراقية بأنامل الشريف التي لم يصله أي منا في الجودة، مهما من
تعلموا وجالوا، ووصلوا إلى درجة رفيعة، إلى مستوى تلك الأوتار التي
تنطق بالكلام. لا أتكلم عن عزف الأنغام، هي فلسفة الفهم لا يحس بها إلا أهل الحب حتى البكاء.
في هذه الجلسة التي كانت تحكي عن الشريف على اليوتوب، لم أجد بها من كان فعلا يعاشره الفترة التي أحكي عنها في الستينات، طبعاً، أخذ الموت
الكثير إلى رحمة الله، منهم بادريس، بن عباس، المعلم محمد، برشيد ُبطافي، السيد عبد الرحمن بن علو، السي عبد الله، أول عازف على القانون في
الجديدة، والكثير من الأسماء التي نسيتها مع مر الزمان.
أتكلم على من لا زالوا على قيد الحياة، أطال الله في عمرهم، السيد حميدو
البستاني، والموهبة الخارقة في التمثيل والغناء المبدع المخضرم عبد
العالي دمكيلة وبالأخص السيد مصطفى النْحيلي.
هنا أقف وقفة حكم لا يفرق بين أحد، كل من هذه الأسماء هي التي عاصرت
الشريف، وبالأخص السيد مصطفى النْحيلي، لم يذكره أحد في تلك الجلسة،
بيد أن النحيلي هو أصلاً ركيزة مرموقة في تاريخ موسيقيي البلاد، وعشرته الطويلة مع الشريف، وكل الأسماء المذكورة، تلك الفترة لم يكن بوشعيب
الجديدي فيها، ولا إخوته إلا بعد السبعينات، كانوا لازالو صغارا، عاشروه
بفرنسا نعم، وكان الجديدي بوشعيب نجم من نجوم الواصلين إلى درجة
رفيعة، وأخوه خالد، العواد البارع، ومصطفى المغني والمطرب ما شاء الله، عاشرتهم مع الشريف في الثمانينيات بالدار البيضاء، وهذا وقت آخر من
عصر الشريف.
أما النحيليْ عاشرنا وقتها وكان فرداً مهماً، وأسس فرقة بعد السيد حميدو
البستاني وقتها، وجال بنا مراكش والدار البيضاء، في سهرات مشتركة مع السيد محمد الإدريسي من جوق محمد بن عبد السلام بمكناس آنذاك، ونظامه المعهود، وتسييره الملتزم، أوصلنا إلى الإذاعة مرتين، الأولى مع
الموسيقار عبد النبي الجراري، في مواهب، سنة ثمانية وستين، وبموافقة
ودفعة من الشريف، مرت من أحسن الفرق بمواهب وقتها مباشرة على
الهواء، وتلقت الفرقة تشجيعاً بامتياز من الموسيقار نفسه.
كانت الفرقة تتألف من الرئيس مصطفى النحيلي، العازف الأول على الكمال، محمد بن بريكة عازف الناي والكمان الشهير بامتياز، برشيد العود وعازف عدة آلات، وكان بِريك على الكمان، لمعلم محمد الخياط على الإيقاع. غنى
المرحوم عبد الكريم بَالعبارية أنا من أنا، والمرحوم السّيْسِ، محمد صاحب الشفاعة، وغنيت غدارين، لمحرم فؤاد.
والصراحة أنه بفضل النْحيلي، وصلنا مرة أخرى إلى الإذاعة بسهرة بين
الأقاليم، وكان النظام هو صاحب هذه التجربة التي لم يتوصل إليها أحد من
مدينة الجديدة، إلا السيد مصطفى النْحيلي، لا تهمني الأقاويل، وقد عشت تلك المرحلة بالذات وشاهد على عصرها.
الاحترام هو المهم، فلا ننسى من رجال البلد أي فرد كرمنا وعلمنا ولو حرفا أو نغمة واحدة، ولا سيما من هو أكبر منا سناً. تعلمنا منهم ما توصلنا إليه
بجهد جبار، ومنا من احترف هذا الفن إلى اليوم، ومِنا من بقي وافيا لهوايته، وأخدتنا حِرف أخرى للعيش.
التصوف عند الشريف، لم يكن بالأوراد والأذكار، ولا الثوب المرقع، أو رداء الصوف، بل صفاء قلبه ونقاوته ما جعلته صوفياً أو صافيا.
التصوف هكذا كان قبل الديانات، كان أهل الصفة يهيمون في الأرض، وفي
الخلاء بحثاً عن حقيقة في فلسفتهم، وفي طريقة فهمهم، لا يسألون بل
يتساءلون، لا غرض لهم في طمع الدنيا وزينتها. وهذه هي فصيلة الشريف، لا يفهم أحدنا كيف تربى الشريف في صغره، إنما هي طبيعته الحقيقية بدون زخرفة أو لمعان.
يقول بعض من عاشروه، إنه صاحب نكتة، لكنها في الحقيقة هي حكمة،
والفرق بين النكتة والحكمة، ضحكة نعم!!! لكن المفهوم من ورائها المستور قد يكون نعمة ولا تدري.
كان لا يزور أي ضريح ولا ينتمي لأي طريقة، ولما يأتيه حاله، فلن تراه.
يهجر العود والنغم وزواره، ويختلي بربه في وحدته، ولا يعرف أحد عنه أي طريق.
حتى بفرنسا، السبعينات، كان يسكن بغرفة كان يسميها الفلورا، مئة واثنان وخمسون درجة، كنا نلتقي من حين لآخر، فلم نعد نراه، وكنت أطلع تلك
الأدراج مراراً وتكراراً باحثاً عنه، ولا وجود له، أسأل في المطعم الذي كان
يشتغل به، ِبسان ميشال، لا أحد يعلم عنه خبرا، زرت النحيلي كعادتي بسان
دوني وأخبرته فلم يتعجب ولم يرتبك مثلي، نصحني أن أقعد عند بابه حتى
يظهر.
كان السبت والساعة العصر، تربعت عند باب غرفته في صمت رهيب، لا
أسمع إلا نواح الحمام، وأمامي نافذة أرى منها مداخن أسقف باريس كلها،
ومع طول الوقت، أخذتني ومضة وكأني أحلم بترتيل القرآن الكريم، فتحت
عيني شيئاً فشيئاً، وأخيرا صدقت أذني، أنه الشريف، لم أدق الباب حتى
توقف عن القراءة، الشريف جئتك مرارا أرجوك افتح لي الباب لأطمئن عليك وانصرف.
أخيراً فتح، وأدهشني منظر وجه صاف يتلألأ منه نور وضاح، في لباس
أبيض يزيده فتنة في عيني التي لم تر مثل هذا المنظر من زمان.
متعجباً! مبهوراً وبدون كلمة أنطقها،
عرفت أنه في خلوته، استأذنته قبل إقامة صلاته، بالعودة إلى بيتي، حتى
أتركه مع وحدته، فأشار لي بالجلوس،
وبعد انتهاء صلاة العصر، وبابتسامته المعتادة، رحب بي…
كنت أعرف أحواله حق المعرفة، أخذته مرة معي إلى مولاي يعقوب مع
بعض الأصدقاء من الدار البيضاء، يريد الاستجمام من منبعه الطبيعي
للاستشفاء من بعض الحبوب بدراعه، وما أن وصلنا هناك حتى أخذ ربوة
وقعد يتأمل هناك أكثر من ساعة، كنت قد استأجرت بيتا وأنهيت كل
المتطلبات من تموين واستعداد لمدة ثلاثة أيام.
دخل المطبخ الذي يهوى التفنن فيه،
وكل مرة أذكره بالاستجمام الذي من أجله نحن هنا، من بعد، من بعد يجيبني.
وبقي كل يوم من بعد حتى أنهينا الرحلة.
سألته متعجباً مرة أخرى، ما فائدة هذا السفر، وكيف حال حبوب يديك؟
شمر ذراعه وقال شفيت والحمد لله.
فعلاً، لم أر ما رأيته من قبل، كيف شفيت ولم تغطس حتى يديك بماء الكبرى؟
الشفاء منه هو!!!
لم يكن يسعى في حياته كلها، لا للطب ولا للدواء.
في حياة هذا الشريف، شُعَبٌ لابدا من إفراغها، حتى تلتقط منها خبايا الحياة ليتعرف عليها العامة من الباحثين، تكون نورا للغافلين…
أختم هذه النبذة، بقول الشريف دائما، (الوعد) كان يقصد بها الحظ الأعمى!
الذي لا يختار من يستحق؟
ولهذه الكلمة تفسير عميق لا يسعني الوقت اليوم إلا هذا القدر من هذه
النبذة، والباقي يكون في كتاب (الصوفي الخفي) إن شاء الله
حلييييم التادلي
الخميس 30 دجنبر / كانون الأول / 2021