أخر تحديث : الإثنين 7 شتنبر 2026 - 9:00 مساءً

القاضي ابليلة…وفاة على المقعد

بتاريخ 6 سبتمبر , 2026
القاضي ابليلة…وفاة على المقعد

عرف بنزاهته والتزامه بقضايا المواطنين والمتقاضين

لم يكن الأستاذ القاضي عبد اللطيف ابليلة، يظن أن سفره يوم الثالث عشر يوليوز الجاري، سيكون الأخير، في رحلته القضائية التي امتدت لسنوات، إذ غادر منزله كعادته متوجها نحو الدار البيضاء لاستئناف عمله بعد نهاية أسبوع قصيرة. ولم يكن يعتقد أنه سيفارق هذه الحياة وهو على متن مركب القضاء، الذي نذر له حياته، إذ عرف بنزاهته وتفانيه ووفائه لمهامه القضائية.

ابن أزمور

ولد الأستاذ عبد اللطيف ابليلة بدرب العرصة بمدينة أزمور يوم 13 يوليوز 1954. ومن غريب الصدف أنه توفي يوم 13 يوليوز 2026 بالبيضاء وهو على مقعد المسؤولية القضائية. شب في كنف وبيت جده الفقيه المرحوم الحاج بوشعيب ابليلة. تابع دراسته الابتدائية بمدرسة الرابطة الاسرائيلية المختلطة بالمدينة ذاتها، نهاية خمسينيات وبداية ستينيات القرن الماضي، إلى جانب العديد من أبناء المدينة أمثال الأستاذ مصطفى لبريمي وأحمد وعبد الصمد بندحو ومحمد سيلبوهالي ومنير نجيب والجيلالي أبو زيد وجمال الباز والطيب بنفريحة.
وتابع دراسته الثانوية بمؤسسة بن خلدون بالجديدة وبعد حصوله على البكالوريا، التحق بكلية الحقوق وبعد حصوله على الإجازة، التحق بالمعهد العالي للدراسات القضائية. بعد تخرجه، تدرج بعدة محاكم بداية بأحد أولاد أفرج والجديدة وأسفي وورزازات وإنزكان ووجدة واستقر قبل وفاته بالدار البيضاء. ونظرا لكفاءته ونزاهته وخبرته المهنية، تم الاحتفاظ به رغم بلوغه سن التقاعد مستشارا بإحدى المحاكم بالعاصمة الاقتصادية.
ظل الفقيد عبد اللطيف ابليلة وفيا لمسقط رأسه (أزمور)، رغم أنه انتقل للعيش صغيرا بالجديدة بعد استقرار والده (رجل أمن) بشارع النخيل قرب نور القمر وشاطئ الدوفيل. وكثيرا ما كان يتردد على مدينة أزمور لزيارة الأقارب والأصدقاء، وكان يحظى باحترام واسع داخل الأوساط القضائية، حيث عرف بنزاهته وكفاءته ودماثة أخلاقه، كما عرف بالتزامه الدائم بتطبيق القانون وخدمة العدالة بكل مسؤولية وتجرد، ولم يكن يخاف لومة لائم في ذلك.

عائلة رياضية

إلى جانب تفوقه الدراسي، عرف عبد اللطيف ابليلة باهتمامه بالرياضة، إذ مارس بعضها رفقة باقي أخواته وأخيه الصغير. انضم مبكرا للنادي الأولمبي الجديدي لألعاب القوى (JOC) وتخصص في القفر العلوي تحت إشراف البطلة المغربية في السباعي شريفة المسكاوي وإدريس بوجيدان وحسن متقي واهتم بكرة المضرب ومارسها في عز شبابه. وتبعته أخته زهور التي قضت عشر سنوات بالمنتخب الوطني للكرة الطائرة كما دربت الفريق الوطني النسوي لعدة سنوات. ولعب أخوه حميد وأختاه فطومة وسعاد الكرة الطائرة بفريق الدفاع الحسني الجديدي.
شهادة مؤثرة
ترك خلال مساره الطويل أثرا طيبا وبصمة واضحة وسط محيطه المهني من خلال أحكامه وقراراته الجريئة، يقول زميله في المهنة عمر بن ذهيبة، الذي ترك القضاء وارتدى عباءة المحاماة بعد تقاعده: “كان الأستاذ عبد اللطيف ابليلة قيد حياته واحدا من بين القضاة النزهاء الذين ندروا حياتهم لخدمة العدالة، ساهرا على إحقاق الحق وحماية الحريات، واضعا في ذهنه وضميره المهني معنى للحرية (!!!)، ذلك أن سجن الإنسان هو إقبار لحياته. كان حريصا على أن تلقى أحكامه رضا بين الظالم والمظلوم، جاعلا في ذهنه جسامة العدالة التي قال عنها الرسول (ص) “من جعل قاضيا بين الناس، فقد ذبح بغير سكين”. وفيه تحذير بليغ من خطورة تولي القضاء، ومعناه أن من يُولى القضاء ويتحمل مسؤولية الفصل بين الناس، فقد أهلك نفسه وعرّضها لعذاب شديد ومشقة عظيمة.

خسارة كبيرة

وبرحيل المستشار عبد اللطيف ابليلة، يكون القضاء المغربي، قد فقد قامة قضائية مشهودا لها بالكفاءة والاستقامة، تاركا وراءه سيرة مهنية طيبة وذكرا حسنا في نفوس كل من عرفه أو اشتغل إلى جانبه. وبموته تكون الهيأة القضائية، قد فقدت أحد رجالاتها الذين تركوا بصمة مهنية وأخلاقية مشرفة. وأوضح الأستاذ القاضي الحمدوني برين، “لقد تعرفت على الفقيد الاستاذ عبد اللطيف ابليلة خلال عملنا جميعا بمحكمة الاستئناف بالجديدة نهاية سنة 1999 حيث كان يشغل منصب رئيس غرفة، وكان رحمه الله خلال هذه السنوات الطويلة مثالا يحتدى به في التفاني والإخلاص والانضباط في العمل، كما كان يتميز طوال مسيرته المهنية بحسن الخلق، والتزامه التام بأداء مهامه على أكمل وجه، إضافةً إلى أخلاقه الطيبة وعلاقاته الرائعة مع زملائه وباقي الأطر العاملة بالمحكمة”.
وشاءت الأقدار، يواصل الحمدوني، أن ينتقل إلى العمل بمحكمة الاستئناف بأسفي، ثم بعدها للعمل بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء إلى حين التحاقه بالرفيق الأعلى، كما عمل قبل ذلك في بداية الثمانينات بالمحكمة الابتدائية بوجدة، واشتغل بمركز القاضي المقيم بأولاد فرج ليلتحق بعدها بمحكمة الاستئناف بالجديدة. وقد التقيته في أخر مرة أثناء حضوره لتشييع جنازة عمه سي عبد الله ابليلة .

بعد نشر هذه المادة على صفحات جريدة الصباح يوم أخر سبت من شهر غشت الماضي، اتصل بنا أحد أبناء المرحوم القاضي عبد اللطيف بليلة. وبعد شكره لي على اهتمامه بوالده وبمساره المهني، أثار بعض الملاحظات، التي أغنت المادة الصحفية التي تدخل في باب البورتريهات. ووعدته أنني سأنشرها بموقع جريدة عبدالة الجهوية تعميما للفائدة.
كلمة باسم أحد أبنائه

كان الفقيد عبد اللطيف رجلاً يستحق أن تُروى سيرته بكل احترام ووقار وتأثر. انتقل إلى رحمة الله وهو داخل المحكمة. كان ذلك يوماً عادياً، مثل غيره من أيام عمله الطويلة في سلك القضاء. لم يكن أحد يتوقع أن يكون ذلك اليوم هو الأخير في حياته. إلا أن مشيئة الله كانت أقوى، فأصيب بأزمة قلبية داخل المحكمة، واختاره الله إلى جواره.
كان عبد اللطيف ينحدر من عائلة عريقة ومعروفة بمدينة أزمور، المدينة التي ولد فيها ونشأ وترعرع فيها. كما أن زوجته، فطومة منيار، تنحدر بدورها من مدينة أزمور، فكان الزوجان يجمعهما الانتماء إلى هذه المدينة العريقة، وإليها ارتبطت الكثير من ذكرياتهما وحياتهما العائلية.
نشأ عبد اللطيف في أزمور، وتابع دراسته في مدرسة عبرية، قبل أن يبدأ مسيرة مهنية متميزة في سلك القضاء. وقد قادته مسيرته إلى العمل في عدد من مدن المملكة، من بينها وجدة، جرادة، الجديدة، آسفي، ورزازات والدار البيضاء. وفي جميع المحطات التي مر بها، عُرف بالجدية والانضباط والتفاني في العمل. وكان يحظى دائماً بتقدير رؤسائه وتقييماتهم الإيجابية.
كان رجلاً هادئاً، متواضعاً، قليل الكلام، لا يحب المشاكل ولا يبحث عن الصراعات. كان يؤدي واجبه في صمت، وبكل ما عرف عنه من نزاهة وكرامة ومسؤولية. لكن خلف القاضي كان هناك قبل كل شيء أب استثنائي. كان عبد اللطيف أيضاً رجلاً محباً للرياضة، وكان مدرباً لابنه يوسف ومرافقاً له في مسيرته الرياضية. لسنوات طويلة، كانا يركضان معاً، ويتدربان معاً، ويعملان على الإعداد البدني والتحضير للمنافسات.
وكان الأب حاضراً إلى جانب ابنه في كل مراحل مسيرته. وقد أصبح يوسف بطلاً لإفريقيا، وبطلاً للعرب، وبطلاً للمغرب عدة مرات، وبطلاً للعالم في فئة الأشخاص الذين خضعوا لعملية زرع الأعضاء. لكن خلف هذه الإنجازات الرياضية قصة عائلية عميقة ومؤثرة.
فقد عاش عبد اللطيف واحدة من أصعب التجارب التي يمكن أن يعيشها أب: أن يرى ابنه يعاني المرض ويخضع لتصفية الدم. ثم جاء موقف يجسد أسمى معاني الحب والتضحية. فطومة، زوجته وأم يوسف، تبرعت له بكليتها. قدمت جزءاً من جسدها من أجل أن تمنح ابنها فرصة جديدة في الحياة.
ولا شك أن هذا الأمر كان بالنسبة إلى عبد اللطيف، كأب، من أكثر اللحظات تأثيراً في حياته: أن يرى ابنه يمر بمرحلة التصفية والمعاناة، ثم يرى زوجته تقدم له كليتها، وبعد ذلك يشاهد ابنه يستعيد حياته ويحقق إنجازات كبيرة في الرياضة. إنها قصة عائلة عاشت الألم، لكنها عرفت دائماً كيف تصنع من الألم أملاً، وكيف تجد السعادة حتى في أصعب الظروف.
ترك عبد اللطيف وراءه أربعة أبناء: غيثة، شعيب، أيوب ويوسف. وقد شق كل واحد منهم طريقه في الحياة. درسوا، ومن بينهم من تابع دراسته في فرنسا، في مؤسسات تعليمية مرموقة، وتمكنوا اليوم من بناء حياتهم المهنية بنجاح واستقرار.
أما يوسف، فقد أصبح اليوم محامياً. وهنا تلتقي مسيرتان بشكل جميل ومميز: الأب كان قاضياً، والابن أصبح محامياً. جيلان، ومهنتان مختلفتان، لكنهما يلتقيان في عالم القانون والعدالة.
وبجانب عبد اللطيف طوال هذه الرحلة كانت زوجته فطومة منيار، المرأة الاستثنائية، الزوجة والأم التي شاركته أفراح الحياة وأحزانها، وأسهمت بتضحياتها في كتابة واحدة من أجمل صفحات هذه الأسرة. كانت حياتهما مليئة بالذكريات: السفر، والعشاءات العائلية، والأعياد والمناسبات، واللحظات البسيطة التي تتحول مع مرور الزمن إلى أغلى ما يملكه الإنسان من ذكريات. ومن بين آخر الأفراح التي عاشها عبد اللطيف، أنه شهد زواج ابنته غيثة قبل وفاته بوقت قصير، وكان له أن يرى ابنته تدخل مرحلة جديدة من حياتها. وربما هذا هو ما ينبغي أن تبقى عليه ذكراه.
فالفقد مؤلم، والرحيل قاسٍ على زوجته وأبنائه وعلى كل أفراد أسرته ومحبيه. لكن العائلة لن تحتفظ منه إلا بالأجمل. ستتذكر ابتساماته، وأسفاره، ولقاءاته العائلية، وعشاءاته، وأفراحه، والسنوات التي قضاها إلى جانب أبنائه، والركض مع يوسف، والبطولات والانتصارات، وكل اللحظات التي عاشها معهم.
لقد كان عبد اللطيف قاضياً محترماً، ورجلاً هادئاً، ورياضيّاً، لكنه قبل كل شيء كان زوجاً وأباً، عاش من أجل أسرته، وفرح بنجاحات أبنائه، وتألم لآلامهم، ورافقهم في أصعب مراحل حياتهم. واليوم، تبكي الأسرة غيابه. لكنها تستطيع أيضاً أن تفتخر بالرجل الذي كانه، وبالأسرة التي تركها وراءه. فالإنسان لا يرحل تماماً حين تبقى قيمه حاضرة، وذكرياته حية، وأبناؤه يحملون شيئاً منه في شخصياتهم وحياتهم.
رحم الله الفقيد عبد اللطيف رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وغفر له وجعل قبره روضة من رياض الجنة. اللهم ارزق زوجته فطومة، وأبناءه غيثة وشعيب وأيوب ويوسف، وأسرته وأحبابه الصبر والقوة والسلوان، واجمعهم به في جنات النعيم. لن نحتفظ منه إلا بالأجمل، ولن يبقى منه إلا الحب والذكرى الطيبة والأثر الجميل..