أخر تحديث : الخميس 12 فبراير 2026 - 6:58 صباحًا

التعليم عن بعد في ظل تعليق الدراسة بسبب التقلبات المناخية: بين الفرصة والتحديات

بتاريخ 12 فبراير, 2026
التعليم عن بعد في ظل تعليق الدراسة بسبب التقلبات المناخية: بين الفرصة والتحديات

يقول المثل الشعبي العربي «ربّ ضارّة نافعة»، وهذا يعني أن بعض الأحداث المضرّة قد يكون من الممكن أن تأتي بمنافع للناس، وهذا ما جاء ذكره في كتاب الله سبحانه وتعالى حيث قال جلَّ وعلا: { وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ }. وهذا المثل الشعبي لم يأت من فراغ، بل أورد الكاتب منة الله يوسف قصته في جريدة “أخبار اليوم” المصرية، وأشار إلى أن الأمثال الشعبية لها سحرها ومنطقها الخاص، ويستخدمها العرب في مختلف المواقف الحياتية. ويتردد هذا المثل عند الحديث عن الإنسان الذي يظن أن ما أصابه شرّ محض، بينما قد يحمل في طياته خيرًا غير متوقع. ومن القصص التي تُروى في هذا السياق أن عاصفة شديدة أغرقت سفينة في عرض البحر، فنجا أحد الركاب وقذفته الأمواج إلى جزيرة مهجورة، حيث عاش أيامًا صعبة يبني كوخًا بسيطًا ويبحث عن الطعام. لكن النار التهمت كوخه يومًا، فظن أن مصيبته ازدادت، قبل أن يكتشف أن الدخان كان سببًا في قدوم قارب أنقذه. وهكذا تأكد له معنى “ربّ ضارّة نافعة”.
ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى تعليق الدراسة أحيانًا بسبب التقلبات المناخية، مثل الفيضانات أو العواصف أو موجات البرد والحر الشديدين، باعتبار ذلك ظرفًا صعبًا قد يحمل في المقابل فرصة لتطوير منظومتنا التعليمية، ومراعات بعض الجوانب التي يتم اغفالها أحياناً، خاصة عندما ينقطع الأطفال عن الدراسة ويبدأ البحث عن وسائل بديلة، كالتعليم التطوعي أو عبر تفعيل التعليم عن بعد. فقد أصبح هذا النمط من التعليم خيارًا ضروريًا لضمان استمرارية التعلم وتفادي الانقطاع الدراسي، خصوصًا في ظل تزايد التحديات البيئية والمناخية. وما تشهده المناطق الشمالية من بلادنا اليوم من فيضانات مقلقة وصعبة، يدعو إلى ضرورة وجود خطط استباقية وحلول آنية تدخل في عملية إدارة الكوارث الطبيعية أو المناخية. ولابد من ادراج عملية التعليم عن بعد ضمن تلك البرامج كي يتمكن الأطفال من مواكبة دراستهم ولو بشكل جزئي.
غير أن نجاح التعليم عن بعد يظل مرتبطًا بمدى توفر الوسائل والتجهيزات اللازمة، خاصة في ظل انقطاع التيار الكهربائي أو عدم توفر أو تعطل شبكة الانترنيت. فالأمر لا يقتصر على بث الدروس عبر الإنترنت، بل يتطلب بنية تحتية رقمية قوية تشمل شبكة إنترنت متنقلة وأخرى مستقرة وسريعة، وأجهزة إلكترونية ملائمة لدى المتعلمين، إضافة إلى منصات تعليمية فعالة ومحتويات رقمية جذابة. كما أن تكوين المدرسين والمتعلمين على استخدام هذه الوسائل في مثل هذه الظروف يعد عنصرًا أساسيًا لضمان جودة العملية التعليمية لهذه الشريحة من المتعلمين الذين يعيشون حالات نفسية استثنائية وظروف قاهرة.
في بلادنا، تم بذل جهود ملحوظة في هذا المجال، حيث جرى اعتماد منصات رقمية تعليمية وبث الدروس عبر القنوات التلفزية في فترات الأزمات، مثل ما حصل بعد فاجعة زلزال الحوز مؤخرا. وقد ساهمت هذه المبادرات في ضمان حد أدنى من الاستمرارية التعليمية، لكنها في الوقت نفسه كشفت عن تحديات قائمة، مثل ضعف التغطية بالإنترنت في بعض المناطق، وارتفاع تكلفة الأجهزة، إضافة إلى الحاجة لمزيد من التكوين الرقمي للأطر التربوية.
وهنا يمكننا القول بأنه ينبغي التأكيد على أن التعليم عن بعد لا يمكن أن يعوض بالكامل التعليم الحضوري، لما لهذا الأخير من دور مهم في بناء العلاقات الإنسانية والتفاعل المباشر وغرس القيم الاجتماعية. لذلك فإن الأنسب هو اعتماد مقاربة تكاملية تجعل التعليم الرقمي مكمّلًا للتعليم الحضوري، خاصة في حالات الطوارئ.
وفي الختام، يمكن القول إن التقلبات المناخية، رغم آثارها السلبية على السير العادي للدراسة، قد تشكل فرصة لتسريع التحول الرقمي في التعليم، وتساهم في إدراج برامج أخرى اجتماعية وسلوكية وأيضاً تربوية ضمن منظومة إدارة الكوارث الطبيعية والمناخية. وإذا تم الاستثمار الجيد في البنية التحتية والتجهيزات والتكوين بالدرجة الأولى، فإن التعليم عن بعد قد يتحول من حل ظرفي كمحاولة لإيجاد حلول مؤقتة للمتضررين من الفيضانات أو غيرها، إلى رافعة حقيقية لتطوير المنظومة التعليمية وتحقيق تكافؤ الفرص بين جميع المتعلمين. ولضمان نجاح هذه الخطوات، لا بد من ادراج قضية التعليم عن بعد ضمن خطط إدارة الكوارث الطبيعية وغيرها والاستعانة بالخبراء في مجال التربية والتعليم.

د. عبد الله بن أهنية
كاتب وباحث في مجال التربية والتعليم والثقافة، خريج جامعة فيرجينيا الغربية الحكومية بالولايات المتحدة الأمريكية